محمد خليل المرادي

88

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

إلا جيدا مع حسن الخط والضبط . والكتاب والأعيان تتنافس بتحريراته ورسائله . وفي آخر أمره ضعف بصره ، وقل نظره ، وقويت عليه الأمراض والهرم ، ومات ولده الأديب النجيب عمّار الكاتب في حياته ، فتأسّف عليه وحزن لفقده وكدره مصابه . توفي وأنا بدار السلطنة ، في ليلة الأحد ثالث شوال سنة سبع وتسعين ومائة وألف ، ودفن بمقبرة إسكدار . ومن نثره هذه المقامة ، سماها الزلالية البشارية ، فيما جرى بين ركبان الجادية . تشتمل على أمثال كثيرة ، وهي هذه : « حرّكني الشوق إلى التنقّل يوما من الأيام ، مع رفيقي بشّار بن بسّام ، آخذا بقول بعض أصحاب الأمالي . لا يصلح النفس إذ كانت مصرفة * إلا التنقّل من حال إلى حال فنزلنا نخر النهار على عادة الهوز ، بطفطاف الراموز . فأجلنا الأنظار إلى مستعام ، فارغ عن زحام أنذال الأنام . فإذا بشادن قد أشرق الورد من نسرين وجناته ، واهتزّ غصن البان من لطف حركاته . له رواء وشاهد ، أحلى شغونا من الفارد . يروي الرجال ويسقيهم بمبتسم كابن الغمام ، ورويق كابنة العنب . فأشار إلينا بلمحة مغناطيسية ، ولحظة داهشة مخفية . كأنا الثريا علّقت في جبينه * وفي خدّه الشعرى وفي جيده القمر فانحدرنا نحوه كالماء إلى قراره ، والغريب إلى جاره وداره . فحكمنا على قارب نظيف لطيف ، خال عن الخليط والوصيف . فقدّم لنا الترحيب والترجيب ، على ديدن الأديب الأريب . ثم أخذ يفحص عن المنصب والمشرب ، والمذهب والمرغب . فنلنا سقاطا من حديث كأنّه * جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع فتعجبت من فصاحة لهجته ، أكثر مما تعجبت من طلاوة بهجته . فاستكشفت عن أصله وعترته ، وعن اسمه وكنيته . فقال : اسمي زلال بن بلال ، وأرومتي كريمة الأعمام والأخوال ، وكنيتي أبو الحسن على الإجمال . ثم خاض يتكلم بمنطق تتناثر به اللآلي من الأصداف ، وتصل بسلاسته الباهرات في مجراها على الرجاف . ألذّ من الصهباء بالماء ذكره * وأحسن من بشر تلقّاه معدم قائلا بأني كنت من أبناء بعض التجار ، متلمذا بثروة أبي على الأدباء الأخيار . فتوفي والدي وذهب المال والنشب ، تحت كل كوكب . فصادني هوى بعض الغزلان بحكم الصّبا المنصوت بوصف بعض : رنا ظبيا وغنّى عندليبا * ولاح شقائقا ومشى قضيبا فصار ما صار مما لست أذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر